السلام الحقيقي، ومن هو الذي لم ينضج بعد لقبول شروط
في افتتاحية عددها الاخير، رأت مجلة "الكرمل:" ان كل شيء يعود الى البداية، كأن "عملية السلام" قد لفظت "حقيقتها المراوغة" وأعادت الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي الى "حالته الكلاسيكية"، معتبرة بأن الطرف الاسرائيلي لم يكن معنيا بعملية السلام – كما اتضح – الا من جانبها الامني "الذي يضمن للاحتلال استمرارية مريحة توفر له فرصة تطويع الجغرافيا لتاريخة الخاص"، ثم تابعت " من هنا، كانت هذه العملية القائمة على تصورين متناقضين للمستقبل، مليئة منذ البداية بألغام تهددها بالانفجار، وبالوصول الى مأزق تاريخي يعبر عن نفسه بما نشهده من صراع يتصاعد" (الكرمل، رام الله – عمان، العدد 67، ربيع 2001).
وبالرجوع الى ظروف انفجار "عملية السلام" هذه وتوقيته، قد يكون من المشروع طرح السؤال التالي، هل تواطأ ايهود باراك مع ارئيل شارون، من خلال سماح الاول للثاني في نهاية ايلول الفائت بزيارة الحرم القدسي، على تهيئة اجواء اندلاع حرب شاملة مع الفلسطينيين، تكون ذريعة، بعد تحميل هؤلاء الاخيرين مسؤولية فشل المفاوضات السلمية في كامب ديفيد، لتهرب اسرائيل من تلبية استحقاقات اتفاق الوضع النهائي وتكريس احتلالها للارض العربية وتبرير لجوئها الى خيار المواجهة؟
ان عددا من المحللين يجيبون بالايجاب عن هذا السؤال، ومنهم المحلل الاسرائيلي ميرون بنفنستي الذي طرح السيناريو التالي: ان رفض الفلسطينيين للاقتراحات السخية بصورة لا سابق لها التي قدمتها اسرائيل لهم افضى الى موجة العنف الحالية، وان فشل المفاوضات يبرهن على ان الفلسطينيين ليسوا ناضجين لانهاء النزاع التاريخي، والمجابهة العنيفة التي بادروا اليها تنبع من عدم موافقتهم المبدئية على حقيقة وجود اسرائيل، ولذلك كانت كل مسيرة اوسلو خطأ مأساويا، اذ ان الوهم الذي تضمنه (الاتفاق) هو الذي اعطى عرفات الادوات والوسائل لمواصلة العنف ضد الدولة اليهودية". ومع ان الاستنتاجات النابعة من هذا التحليل قد اختلفت – كما يتابع المحلل نفسه – "لكن الاجماع في اوساط المتحدثين البارزين في اليسار واليمين (الاسرائيليين) كان كاملا وتاما لدرجة انهم يعزفون جميعا بصوت واحد" (ميرون بنفنسي "تحميل الفلسطينيين مسؤولية فشل المفاوضات ذريعة لتكريس الوضع وتبرير الخطوات العسكرية"، نقلا عن هآرتسن القدس، القدس، 30/3/2001).
طبعا، لقد كانت الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية متوفرة فلسطينيا لوقوع الانفجار، بحيث لم تلعب زيارة ارئيل شارون الى الحرم القدسي سوى دور صاعق التفجير الذي أدى الى اشتعال الاوضاع داخل المناطق الفلسطينية. غير انه وبدلا من ان تكون الانتفاضة الجديدة، التي دفع فيها الشعب الفلسطيني الى الان ثمنا غاليا على الصعيدين البشري والمادي في مواجهة أبشع اجراءات القمع والحصار والتجويع الاسرائيلية. فرصة ينتهزها المجتمع الدولي من أجل اعادة اطلاق العملية السلمية والعودة الى طاولة المفاوضات ضمن اطار جديد ينهي الانفراد الاميركي ويوسع صيغة المشاركة الدولية ويبحث في آليات وجدول تطبيق قرارات الشرعية الدولية، التي تضمن الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي العربية المحتلة منذ العام 1967، بما فيها القدس الشرقية، وتنفيذ القرار الدولي الخاص بعودة اللاجئين الفلسطينيين، رأينا بأن الهم الرئيس لهذا المجتمع واطرافه الفاعلة اصبح التركيز الاحادي الجانب على الشق الامني من خلال دعوة الطرفين الى ضبط النفس والبحث عن السبل الكفيلة بوقف ما يسمى بموجة العنف الجديدة في المنطقة تمهيدا للعودة الى الاوضاع التي كانت سائدة قبل الثامن والعشرين من ايلول 2000 – أي الى الاوضاع التي ولدت شروط الانفجار الراهن – وذلك في تجاهل صارخ للمتسبب الرئيس في هذا العنف، وهو الجيش الاسرائيلي، الذي اعترف رئيس هيئة اركانه الجنرال شاؤول موفاز، في 14 تشرين الثاني الفائت، بأن القمع الذي استهدف الفلسطينيين كان قد جرى الاعداد له سلفا، وان جيشه "راح يستعد منذ عامين لخوض مثل هذا النوع من المعارك" (انظر: آلان غريش: "انتفاضة من اجل سلام حقيقي"، لوموند ديبلوماتيك، باريس العدد 561، كانون الاول 2000، ص18).
وعلى خلفية هذا الموقف الدولي القصير النظر والاحادي الجانب، صدر تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية برئاسة السناتور الاميركي السابق جورج ميتشيل، وتعالت الدعوات من جديد في الاوساط الدولية عن ضرورة انتهاز الفرصة التي يوفرها هذا التقرير، ومنها الدعوة التي اطلقها في مقال نشره في صحيفة "لوموند" الباريسية في الاول من جزيران الفائت بعنوان "الشرق الاوسط فرصة لا ينبغي تضييعها"، خافيير سولانا مفوض شؤون السياسة الخارجية والامن في الاتحاد الاوروبي، الذي قدر بأن التقرير المذكور يوفر فرصة ينبغي انتهازها لوقف العنف والعودة الى طاولة المفاوضات بهدف التوصل الى "السلام والعدل والامن في الشرق الاوسط". ومع أنني من انصار الرأي القائل بأن علينا، كفلسطينيين وكعرب ان ننتهز كل فرصة للتوصل الى السلام العادل والشامل في منطقتنا – بما في ذلك الرهان، لكن من دون اوهام،، على تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية الذي تضمن نقطة مهمة تمثلت في دعوة اسرائيل الى تجميد كل اشكال الاستيطان، الا انني اعتقد بأن تجربة السنوات العشر التي مرت على انطلاق عملية السلام في مدريد، بما فيها تجربة المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية في كامب ديفيد وطابا، قد كشفت حقيقة مفادها ان السلام الدائم والوطيد في الشرق الاوسط لم يصبح بعد في متناول اليد. وذلك لسبب بسيط هو ان اسرائيل، هي بالذات، لم تنضج بعد لدفع "ثمن" هذا لسلام. وفي هذا السياق كنت قد توقعت، منذ ربيع العام1998 في دراسة نشرت في مجلتي "الطريق" و"الكرمل" في حينه تحت عنوان: "هل للسلام مستقبل؟" بان اسرائيل التي فوتت فرصة اوسلو، ستبتعد خلال السنوات القادمة عن السلام بدلا من ان تقترب منه، وان ازمتها المجتمعية الداخلية التي فاقمها تحدي السلام والاندماج في المنطقة، من جهة، وتحدي الانفتاح والعولمة، من جهة ثانية، قد تدفع حكامها الى الهروب نحو الحرب والمواجهة.
التنافس على تبني خيار المواجهة
والواقع، فان هواجس حكام اسرائيل لا تتجه اليوم نحو السلام مع العرب وانما تتجه في الاساس نحو "البيت الاسرائيلي" ومستقبله وكيفية تنظيم التعايش الداخلي فيه بين كل الجماعات والفئات المتنافرة التي صارت تشكله. ولهذا السبب بالذات نجد بأن حكومة "الوحدة الوطنية" برئاسة ارئيل شارون هي اليوم اكثر ما تكون بعدا عن السلام مع الفلسطينيين والعرب، بل هي على استعداد تام لتوسيع جبهة المواجهة التي تخوضها على الارض الفلسطينية لتشمل بلدانا عربية اخرى، وذلك لشعورها بان الحفاظ على وحدة المجتمع اليهودي في اسرائيل والحؤول دون انفجارها يتطلبان الابقاء على مناخات المواجهة. وللتدليل على هذه الحقيقة، سأورد الشواهد التالية.
ان بينامين نتانياهو الذي ينتقد في هذه الايام التخاذل الذي يبديه رفيقه في تجمع الليكود ارئيل شارون في تصديه للفلسطينيين، يرى بأن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة وان على حكومة اسرائيل بالتالي ان تعيد الاعتبار الى قوة الردع الاسرائيلية وتستعد لاستخدام كل القوة المطلوبة من اجل وقف "الارهاب"، ولو تطلب ذلك اسكات السلطة الفلسطينية وتدميرها فعرفات، الذي لم يتخل – في رأيه – عن ايديولوجية تدمير اسرائيل سيضطر هو ومن سيحل محله الى نبذ "الارهاب" عندما يشعر بأن عليه الاختيار بينه وبين استمراره في السلطة. ويخلص نتانياهو الى ان الفكرة التي شاعت بعد اوسلو والقائلة بان اقامة علاقات سلام مع الفلسطينيين هو امر ممكن لانهم غيروا نواياهم تجاه اسرائيل هي فكرة خاطئة يجب هجرها، والعودة الى النظرية الامنية التي تبنتها اسرائيل منذ قيامها، واوقفت بواسطتها القتال مع دولتين من جيرانها واقامت معهما في النهاية علاقات سلام، وهي نظرية اسرائيل القوية التي تستطيع الدفاع عن حقوقها والمستعدة عند الحاجة الى استخدام قوتها ("النظرية الامنية فقط"، نقلا عن صحيفة "معاريف"، "النهار" بيروت، 8 حزيران 2001، ص10).
وباللجوء الى المقاومة الامنية نفسها، دعا رئيس الوزراء السابق ايهود باراك، الذي اعتقد اثناء مفاوضات كمب ديفيد وطابا بأنه قادر على جعل الفلسطينيين يوافقون على مقترحات لفظية وغير ملزمة لحكومة اسرائيل القادمة تلوح لهم بما يقرب من 90 في المئة من مساحة الضفة والقطاع وبتقاسم السيادة على القدس في مقابل التزامهم الفعلي بالتنازل عن حق العودة، دعا مواطنيه الى الاتحاد واقامة جدار منيع في مواجهة ما أسماه بالارهاب الفلسطيني، وكشف عن نواياه الحقيقية عندما أكد بأن على اسرائيل، كي تضمن استمرار طابعها اليهودي، ان تنجز عملية فصل من جانب واحد، وذلك عبر اقامة حدود آمنة ويمكن الدفاع عنها بينها وبين الفلسطينيين تتحدد بما يشمل اكثر من 80 في المئة من المستوطنين اليهود في عدة كتل استيطانية تغطي ما يقرب من 15 في المئة من مساحة "يهودا والسامرة" مع ضمان منطقة امنية واسعة في وادي الاردن. وباستعادته خطابا شاع في اسرائيل في المرحلة التي سبقت انطلاق عملية السلام في مدريد، شدد باراك على ضرورة ان تقوم ادارة الرئيس جورج بوش ببلورة استراتيجية شاملة لمواجهة "الارهاب" المتصاعد والدفاع عن "الديمقراطية" الوحيدة في المنطقة والحفاظ على علاقات وثيقة مع الانظمة العربية "المعتدلة" ("جدار ضد الارهاب"، نقلا عن صحيفة نيويورك تايمز، لوموند، باريس، 1/6/2001، ص17).
اما ارئيل شارون فقد كان الاكثر صراحة في استعادته مفردات الخطاب الصهيوني الكلاسيكي، اذ اعتبر في مقابلة صحفية اجريت معه في نيسان الفائت، بأن "حرب الاستقلال التي خاضتها اسرائيل لم تنته بعد، وان العام 1948 لم يكن سوى فصل اول من تاريخ لا يزال ينتظر من يدونه"، وفي رده على سؤال "هل تغير شارون؟"، اجاب: "كلا، انا لم اتغير"، وتابع "لقد امضيت حياتي كلها في هذا النزاع (ومع) ان العالم مختلف اليوم، وبات اكثر انفتاحا، الا انني لا زلت اعتقد بأن ما كان صحيحا قبل قيام دولة اسرائيل لا يزال صحيحا الان ولم يتغير شيء بصورة اساسية". وبعد ان شدد على اهمية اعادة الاعتبار للشعارات التي سادت في الثلاثينات داخل التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين، وفي مقدمتها شعار "لنستملك هيكتارا من الارض، ونسعى الى استملاك آخر". وقسم الفلسطينيين الى فلسطينيين "جيدين" لا يطمحون سوى "الى ضمان لقمة عيشهم وتربية اطفالهم"، وفلسطينيين "سيئين" لديهم تطلعات سياسية تدفعهم الى الانخراط "بالضرورة في الارهاب"، اعرب شارون عن اسفه لانخفاض معنويات الشعب الاسرائيلي، ودعا مواطنيه الى احياء الصهيونية التي سادت "في الازمنة المجيدة"، مؤكدا رفضه الحازم لاعتبارات ايديولوجية صهيونية اكثر منها امنية، فكرة الانسحاب من أي مستوطنة اقيمت في المناطق الفلسطينية المحتلة. وبهذا الموقف فان ارئيل شارون كان يعلن بصراحة – كما لاحظ المحلل الفرنسي آلان فراشون – "نهاية أية امكانية للسلام مع الفلسطينيين، ونهاية كل محاولات التوصل الى حل وسط اقليمي بين الشعبين" (انظر: آلان فراشون: "برنامج رئيس الوزراء الاسرائيلي "الغريب"، لوموند، باريس، 24/4/2001، ص17، وسيلفان سيبل: "زمن وفضاء ارئيل شارون" المصدر نفسه، العدد نفسه، ص1 و17).
ويستفاد من استطلاع للرأي اجري مؤخرا في اسرائيل (انظر: افرايم ياعر – تمار هرمن: "مقياس السلام – ايار 2001 هأرتس، 4/6/2001، المستقبل، بيروت، 5/6/2001)، بأن العودة الى خيار المواجهة والابتعاد عن السلام يعبران عن توجه عام داخل المجتمع الاسرائيليين، حيث ان وجهة النظر السائد اليوم داخل اسرائيل ترى بأن عرفات غير مستعد او غير مؤهل للتوقيع على اتفاق ينهي النزاع بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وانه لا بد من الانتظار ربما الى حين استبداله، لكن هناك في المقابل غالبية من الاسرائيليين تعتقد بأنه حتى لو وقع الفلسطينيون في نهاية المطاف على اتفاق سلام شامل مع اسرائيل، فانه لا يمكن الركون الى احترامهم له. كذلك ثمة اتفاق واسع بين الجمهور الاسرائيلي بأنه منذ بدء عملية اوسلو تدهورت اوضاع الامن القومي لاسرائيل والامن الشخصي لمواطنيها. وعليه فان التراجع الملموس لتأييد الاسرائيلي لعملية اوسلو، منذ صيف العام 2000، يعكس – كما يستخلص الاستطلاع – التقدير السلبي السائد حيال كل ما يتعلق بالجانب الفلسطيني وبالعملية السلمية ذاتها، وهذا التحول في موقف المجتمع الاسرائيلي يفسر المعارضة المتزايدة التي باتت تواجهها سياسة ارئيل شارون داخل معسكر اليمين وبين جمهور المستوطنين، الذين دعوا حكومتهم الى استخدام المزيد من القوة في قمع الفلسطينيين، وخرجوا الى الشوارع وهم يرفعون شعارات من نوع "دعوا الجيش الاسرائيلي ينتصر".
سلبية المجتمع الدولي تصب في خدمة السياسة الاسرائيلية
الواقع ان سلبية المجتمع الدولي، وامتناع اطرافه الفاعلة عن ممارسة ضغوط جدية على الحكومة الاسرائيلية، يساهمان في عدم انضاج الموقف الاسرائيلي لقبول متطلبات السلام العادل والشامل في المنطقة. اذ يبدو ان الادارة الاميركية قد عادت في عهد رئاسة جورج بوش الابن، وبصورة مكشوفة، الى استراتيجية ادارة ازمة الشرق الاوسط، وذلك من خلال اعطاء الاولوية لحربها على العراق على حساب السلام العربي – الاسرائيلي وتركيزها على وقف او تقليص ما تسميه بالعنف الذي قد يهدد استمراره واتساعه مصالحها الحيوية في المنطقة. وفي الحقيقة، فان الدور الاميركي لم يخرج طوال السنوات العشر الفائتة، على الرغم من كل التحركات التي قامت بها ادارة الرئيس كلينتون بوجه خاص، عن حدود تلك الاستراتيجية، بحيث بقي في حدود دور ساعي البريد الذي ينقل المواقف والمقترحات الاسرائيلية الى الاطراف العربية ويضغط عليها من اجل قبولها. دون أي اعتبار لمرجعية قرارات الامم المتحدة. وفي هذا السياق، قد يكون من المفيد التذكير بان الرئيس جورج بوش الاب عندما اعلن في آذار 1998، في معرض تبشيره بمولد "النظام العالمي الجديد" ان الوقت "قد حان لانهاء النزاع العربي – الاسرائيلي"، وضع التحدي المتمثل في التوصل الى "حل وسط" لهذا النزاع في المرتبة الثالثة من حيث الاهمية بعد اقامة ترتيبات مشتركة لحماية أمن الخليج وفرض رقابة على انتشار اسلحة الدمار الشامل والصواريخ التي تحملها في المنطقة، واذا كانت الادارات الاميركية المتعاقبة قد سخرت تواجدها العسكري المباشر في الخليج وعملياتها العسكرية ضد العراق، كما وظفت مجلس الامن ولجان التفتيش الدولية لمواجهة التحديين الاول والثاني، فانها لم تمارس ابدا، في ما يخص التحدي الثالث، أي ضغط جدي على اسرائيل لارغامها على الاستجابة لمتطلبات السلام العادل والدائم في المنطقة. وأود هنا ان اعود الى سؤال كنت قد طرحته على نفسي في الدراسة المذكورة اعلاه عن مستقبل السلام في المنطقة، وهو: هل يشكل غياب السلام عن الشرق الاوسط تهديدا جديا للمصالح القومية الاميركية في المنطقة؟ وكان جوابي عنه قبل اكثر من سنتين بأن غياب السلام عن الشرق الاوسط لا يشكل في ظل الاوضاع العربية الراهنة المتميزة بالضعف والانقسام العربيين، تهديدا جديا لمصالح الولايات المتحدة، الامر الذي يعني بان الادارة الاميركية قد تواصل استراتيجيتها الهادفة الى ادارة الازمة والمراوحة في المكان بدلا من التقدم الفعلي لايجاد حل متوازن لها، طريقه الوحيد هو الضغط على اسرائيل وارغامها على قبول تطبيق قرارات الشرعية الدولية، وهو امر لن يتحقق ما لم يطرأ تغير جذري على الاوضاع العربية. ولا بد من القول في هذا السياق، بأن الاتحاد الاوروبي نفسه – الذي ستمر حدوده عبر جزيرة قبرص بعد توسيع عضويته، والذي يمتلك مصالح استراتيجية واقتصادية كبيرة في المنطقة، ويتمتع بامكانية ممارسة ضغط فعلي على حكومة اسرائيل من خلال اتفاق الشراكة الاقتصادية ومنع منتجات المستوطنات من دخول دول الاتحاد معفاة من الرسوم الجمركية وكذلك من خلال "الوضع المميز" الذي منحه لاسرائيل في العام 1994 والذي قد يضعها عند تطبيقه على قدم المساواة مع بلدان – مثل سويسرا – لا ترغب في الانضمام الى الاتحاد لكنها تستفيد من كل امتيازات السوق الموحدة (انظر: دانييل فرنيه، قدرة اوروبا على انتهاج سياسة في الشرق الاوسط على المحك"، لوموند، 20 – 21/5/2001) – اقول ان الاتحاد الاوروبي لن يخرج عن سلبيته وارتهانه للمواقف الاميركية ويبادر الى القيام بدور اكثر فاعلية من اجل التوصل الى سلام حقيقي في الشرق الاوسط الا بعد ان يطرأ مثل هذا التغير على الاوضاع العربية.
وعليه قد يكون في وسعنا الاستخلاص بأن الشرق الاوسط سيبقى "مقبرة" لفرص السلام الضائعة الى ان تقبل اسرائيل، مجتمعا ونخبا سياسية وثقافية، سلام "العدل الممكن"، المتوافق مع قرارات الشرعية الدولية، الذي ارتضاه العرب بعد العام 1967، وتتخلى عن عنصريتها الصهيونية لتصبح دولة لكل مواطنيها. اذ يبدو بأنه قد بات هناك اليوم تفاعل جدلي متبادل بين قبول اسرائيل بشروط السلام العادل الذي يتيح لها الاندماج في المنطقة، وبين تجاوزها حدود ديمقراطيتها اليهودية عبر تحولها الى دولة كل مواطنيها وقيام مجتمع مدني حقيقي فيها متحرر من سيطرة المؤسسة العسكرية. فهل من الممكن تخيل حدوث ذلك؟
قد يكون هذا ممكنا في حال نجاح العرب في ضمان قدر من التوازن في موازين القوى، في هذا الصراع الذي فرض عليهم منذ اكثر من قرن، والتوازن الذي اقصده هنا ليس توازنا عسكريا فحسب – وان كانت القدرة العسكرية تشكل مكونا من مكوناته – وانما هو توازن اعمق من ذلك واشمل، يمر طريق العرب اليه عبر الاتحاد، وتملك اسباب الحداثة المجتمعية، والانفتاح على العالم والتفاعل مع حقائقه الجديدة. هل يعني ما اقترحه انني بت من اصحاب الموقف الذي يرى بان علينا ان نبقي هذا الصراع مفتوحا ونورثه الى الاجيال القادمة. لا ليس هذا: فما تنطوي عليه دعوتي الى ايجاد توازن حضاري في المقام الاول، في موازين القوى في صراعنا مع اسرائيل، كشرط لا بد منه لاستتباب السلام في منطقتنا، هو التشديد على ضرورة اقامة رابط جدلي بين النضال – الذي يجب ان يتواصل بأشكاله المشروعة كافة – ضد التوسعية والعدوانية الاسرائيلية وبين مهمات البناء على المستويين المجتمعي والقومي، وهو تشديد ينبع من اعتقاد بأنه على الرغم من كل معاهدات "السلام" التي ابرمت الى الان مع اسرائيل، من كل "الاختراقات" التي من الممكن ان تحصل في المفاوضات المجمدة حاليا ومن كل الانتصارات الجزئية التي تحققت وآخرها في جنوب لبنان، او التي قد تتحقق، فان السلام الدائم والوطيد في منطقتنا لن يكون له مستقبل ما لم يصبح للعرب، اولا، مستقبل