اتهمت لجنة التحقيق في اخفاقات الحرب علي لبنان ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي وعمير بيرتس وزير دفاعه، ودان حالوتس رئيس هيئة اركان الجيش بالمسؤولية عن فشل ذريع في ادارة هذه الحرب في الصيف الماضي. ولكن الحقيقة مغايرة لذلك تماما، لان السبب الرئيسي في هذا الفشل التاريخي غير المسبوق يعود بالدرجة الاولي الي المقاومة الاسلامية بزعامة حزب الله اللبناني، واستراتيجياتها العسكرية المحسوبة جيدا، وصمود رجالاتها في ميدان المعركة.
اولمرت اعتقد ان الحرب علي لبنان ستكون سهلة، مثل كل الحروب الاسرائيلية السابقة في مواجهة الجيوش العربية الرسمية وانظمتها، ولذلك خاضها بكل ثقة وغرور مطمئنا الي نتائجها بشكل مسبق، وكذلك فعل وزير دفاعه ورئيس هيئة اركان جيشه.
الجيش الاسرائيلي هو الاقوي في المنطقة، لان جيوش الانظمة العربية ضعيفة، ولم يتم اعدادها من اجل ان تنتصر، وانما من اجل ان تنهار في اول مواجهة مع الاعداء الاسرائيليين، وحتي وان صمدت، مثلما كان عليه الحال في حرب السادس من اكتوبر عام 1973، فانما لأيام معدودة فقط، علي عكس المقاومة الاسلامية التي تأسست من اجل استنزاف العدو وهزيمته، فهكذا فعلت عندما اجبرت الاسرائيليين علي الانسحاب مكرهين مهزومين من جنوب لبنان اولا، وارغمتهم علي وقف اطلاق النار في حرب الصيف الماضي طلبا للسلامة، وتقليصا للخسائر، المادية والمعنوية.
جميع حروب العرب مع الاسرائيليين لم تدم اكثر من ايام معدودة، واسبوع علي اكثر تقدير، باستثناء حربين، الاولي كانت صيف عام 1982 عندما صمدت المقاومة الفلسطينية ـ اللبنانية اكثر من ثلاثة اشهر دفاعا عن بيروت في مواجهة قوات الغزو الاسرائيلي، والثانية الصيف الماضي عندما سجلت المقاومة اللبنانية الاسلامية نصرا تاريخيا ليس فقط بصمودها اربعة وثلاثين يوما، وانما بنقلها المعركة الي العمق الاسرائيلي للمرة الاولي في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي.
العرب الرسميون اعضاء محور الاعتدال شاركوا اولمرت تفاؤله بنهاية سريعة وسعيدة للحرب التي شنها علي لبنان، وحملوا حزب الله المسؤولية عن نتائجها، بل واتهموه بجر لبنان اليها عندما مارس حقه المشروع في التصدي لدورية اسرائيلية وقتل بضعة من جنودها وأسر اثنين آخرين. وجاءت تصريحات جون بولتون سفير امريكا السابق في الامم المتحدة وأحد صقور المحافظين الجدد لقناة الجزيرة الفضائية لتؤكد هذه الحقيقة، والاتصالات التي تمت بين بعض الزعماء العرب ورئيس الوزراء الاسرائيلي مهنئة ومتضامنة معه في حربه ضد آخر قلاع المقاومة العربية في لبنان.
المقاومة الاسلامية في لبنان قلبت كل المعادلات، وأثبتت ان الجيش الاسرائيلي يمكن ان يقهر اذا توفرت العزيمة، وتعززت الارادة، وترسخ الايمان في نفوس المقاتلين، وتواجدت القيادة الوطنية النظيفة المؤمنة الصلبة.
الطيران الاسرائيلي الذي حسم جميع المعارك والحروب السابقة ضد الأنظمة العربية تعطلت قوته في حرب لبنان، وتحول الي اداة تدمير وليس اداة حسم. وظهرت قوة جديدة اكثر فاعلية اسمها سلاح الصواريخ من مختلف الاحجام والابعاد.
الصواريخ كانت دائما موجودة في ترسانات الانظمة العربية، وربما كانت هذه الصواريخ اكثر قوة من صواريخ حزب الله ، ولكن ما توفر لدي حزب الله ولم يتوفر لدي قادة اركان الجيوش الرسمية العربية وقياداتهم السياسية هو مثلث الارادة والعزيمة والايمان، ولهذا بقي العمق الاسرائيلي محصنا هانئا بأمنه واستقراره حتي هطلت صواريخ حزب الله كالمطر انطلاقا من منصاتها في جنوب لبنان.
مليون ونصف المليون اسرائيلي هربوا من الجليل وطبرية ومدن الشمال نجاة بارواحهم، بحيث لم يبق اسرائيلي واحد في مستوطنته، بينما بقي معظم ابناء الجنوب اللبناني في قراهم ومدنهم يدعمون المقاومة، ويلتفون حول قيادتها.
الانجاز الوحيد الذي حققه الجيش الاسرائيلي هو ارتكاب مجازر قانا وعيتا الشعب، وتدمير الضاحية الجنوبية، ونسف الجسور ومحطات الماء والكهرباء، بينما لم تستطع دباباته التقدم ميلا واحدا في العمق اللبناني، وتحولت معظم القري الجنوبية الي مقابر جماعية لدبابات الميركافا الاسرائيلية التي توصف بانها الاكثر حصـــانة وتفوقــا من بين جميع قريناتها.
الاسرائيليون مرتبكون لان جيشهم الذي عولوا عليه كثيرا لم يعد قادرا علي حمايتهم، وتوفير الامن لهم، وهذا ما يفسر تزايد الهجرة المعاكسة، ووقوف المئات بل الآلاف من الاسرائيليين امام السفارات الامريكية والكندية والاسترالية لتقديم طلبات الهجرة، او امام سفارات اوروبية لاستعادة جنسياتهم، او البحث عن جذور اجدادهم الذين هاجروا الي ارض الميعاد سعيا الي ملجأ آخر اكثر امنا، ومستقبل افضل لابنائهم.
اربعة آلاف صاروخ اطلقتها المقاومة الاسلامية في العمق الاسرائيلي، اصابت جميعها اهدافها بدقة متناهية، بينما فاجأت صواريخ اخري البوارج البحرية باصابات قاتلة، انهت تواجدها في المياه الاقليمية اللبنانية الي غير رجعة.
اولمرت يرفض الاستقالة، ويتشبث بكرسي الحكم، وكذلك وزير دفاعه بيرتس، لعله يأمل بشن عدوان جديد علي لبنان، او علي ايران، لاستعادة سمعته المتدهورة، ولكنه حتما سيستقيل مكرها في نهاية المطاف تماما مثلما فعلت غولدا مائير بعد تحقيق مماثل في التقصير في حرب اكتوبر عام 1973.
ومن المفارقة ان النظام الرسمي العربي الذي من المفترض ان يتشدد مع اسرائيل الضعيفة المهزومة، يبدو اكثر ضعفا في مواجهتها، ويتطوع باستجداء السلام معها وفق شروطها، ويعيد احياء مبادرة ماتت وتحللت، ويشكل لجانا لتفعيلها، ويعطي اشارات عن استعداده للتنازل عن حق العودة الذي هو اساس القضية الفلسطينية واستبداله بحق التعويض.
من حق حزب الله ان يحتفل مرة اخري بانتصاره في الحرب، ونتائج التحقيقات التي ادانت اولمرت وطاقمه العسكري، وتهدد بالاطاحة به ان عاجلا أو آجلا، فهذا الانتصار جاء معمدا بالدم والتضحيات والصمود واعلي درجات ضبط النفس ونكران الذات.
العد التنازلي للغرور الاسرائيلي بدأ في قري الجنوب، ومنذ عبور اول طائرة اسرائيلية الاجواء اللبنانية، فالزمن الذي كان يخلع فيه الجندي العربي حذاءه الغليظ، وملابسه العسكرية الخشنة، ويولي الادبار حتي قبل ان تبدأ المواجهة قد ولي، وبدأ زمن اطلاق الصواريخ من الشمال والجنوب، ومن الجنوب الفلسطيني (غزة) الي المستوطنات الاسرائيلية الشمالية، ومن الشمال اللبناني الي المدن والقري الاسرئيلية في الجنوب، في الجليل. فالشعوب العربية بدأت تأخذ زمام المبادرة بعد ان خذلتها الانظمة، وحطمت معنوياتها بهزائمها وتنازلاتها المتكررة. وها هي تقلب كل الموازين في العراق ولبنان وفلسطين المحتلة.