الاعلام في فلسطين : بين مطرقة السلطة و سندان الرقابة الذاتية
المحطات التلفزيونية والإذاعية الخاصة
قبل وصول السلطة الفلسطينية الى أرض الوطن، ظهرت بعض محطات التلفزة الخاصة في شمال الضفة الغربية، ولم يكن مستغرباً انتشار هذه المحطات في منطقة شمال الضفة القريبة من قرى المثلث (داخل الخط الأخضر) التي انتشرت فيها ظاهرة الكوابل بشكل كبير نسبياً. وقد ركزت هذه المحطات بثها على البرامج الترفيهية المنقولة في الغالب عن الفضائيات. ومنحت هذه المحطات تراخيص من قبل سلطات الاحتلال في الوقت الذي أغلقت فيه الصحف، وقد يكون السبب في منح التراخيص أن برامج هذه المحطات اقتصرت على الترفيه، ولم تكن تحمل رسالة هادفة لتوعية المجتمع أو منبراً لطرح الآراء والأفكار المختلفة
هناك 27 محطة تلفزيونية، و8 محطات إذاعة خاصة بالضفة الغربية.
منها 9 محطات تلفزيونية في نابلس، 4 في رام الله والبيرة، 4 في طولكرم، 3 في بيت لحم، 3 في الخليل، 2 في قلقيلية، و2 في جنين.
وبعد وصول السلطة ازداد عدد محطات التلفزة الخاصة وتأسست المحطات الإذاعية، حيث بلغ عددها حتى كتابة هذا التقرير 35 محطة خاصة (منها 27 محطة تلفزيونية و8 محطات إذاعية)، تركز انتشارها في منطقة شمال الضفة (17 محطة تلفزة و4 محطات إذاعية) وربما يفسر انتشار هذه المحطات قبل وصول السلطة في هذه المنطقة تركزها هناك بعد وصول السلطة.
وتختلف هذه المحطات في مستواها التقني والرؤى التي تحملها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، كما تختلف في مستوى الرقابة الذاتية والخارجية التي تمارس عليها. ولا تزال العديد من المشاكل تواجه هذه المحطات، منها الخارجي ومنها الذاتي ، إذ لم يسن حتى الآن قانون ينظم عملها. وربما لن يكون بالإمكان سن هذا القانون قبل الاتفاق بين السلطة وإسرائيل على الموجات التي يجب أن تحصل عليها السلطة. كما لا يمكن حصول أصحاب هذه المحطات على التراخيص التي تتطلب شراء موجات ذات تردد خاص من السلطة، وهذا غير ممكن للسبب المذكور آنفاً. ويشكل (قانون التحريض) المتفق عليه بين السلطة وإسرائيل إشكالية كبيرة إذ أنه فضفاض (لا يوجد تعريف محدد لمحظوراته ويمكن أن يندرج أسفلها عدة تأويلات) مما يجعل هامش الحرية في هذه المحطات ضيقاً . ومن المشاكل الذاتية التي تعاني منها هذه المحطات أن وزارة الاعلام، وبالرغم من الشروط التي وضعتها، لم تحافظ على الحد الأدنى من المستوى المهني والفني، فالمشاهد لهذه المحطات قد يعاني من انقطاع البث لعدة مرات خلال اليوم الواحد، أو يشاهد برنامجاً تم بثه في أحدى الفضائيات العربية مع محاولة تغطية شارة المحطة التي بثته، أو مذيع غير متمرس يتلفت يميناً ويساراً لتلقي الأوامر أثناء إذاعته برنامجاً على الهواء، وأمور أخرى قد تزعج المشاهد.
أ - نشأة المحطات الخاصة
بقي الشعب الفلسطيني لفترة طويلة متعطشاً لمحطات تلفزة وإذاعة فلسطينية ، تعالج القضايا الفلسطينية الخاصة، وتعبر عن آراء وأفكار ومشاكل المجتمع الفلسطيني، إذ أن شعبنا اعتمد قبل وصول السلطة على الإعلام الأردني في الضفة الغربية والمصري في غزة، بالإضافة إلى الإعلام الإسرائيلي في المنطقتين
بعد وصول السلطة ومع بدء البث عبر التلفزيون والإذاعة الرسميين (تلفزيون فلسطين، وإذاعة صوت فلسطين)، شعر الفلسطينيون بالزهو والنشوة لأن حيزاً هاماً من حريتهم قد تحقق، إلا أن هذا الشعور الإيجابي لم يدم طويلا ً، إذ بدأ الناس يشعرون أن التلفزيون والإذاعة الرسميين لا يعبران إلا عن وجهة نظر واحدة وهي الرسمية. وبقيت الآراء والأفكار والهموم والمشاكل التي تتناقض مع السلطة مغيبة ، وأصبح المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى محطات تعبرعنه، فتم تأسيس المحطات الخاصة التي تمكن بعض منها أن يحافظ على التعددية والديمقراطية في برامجه، وبقي العديد منها لا يستطيع تجاوز وجهة النظر الرسمية، ويقول المدير العام والمؤسس لتلفزيون (وطن) عمر نزال عن السبب في إقامة المحطة : (إن السبب في إقامة تلفزيون وطن في نيسان 1996 ان شعبنا عاش 30 عاماً وهو يعتمد على الإعلام الأردني والمصري في غزة ولم يمتلك إعلاماً خاصاً به ، أي إعلاماً فلسطينياً ، والتلفزيون الفلسطيني وراديو صوت فلسطين هما إعلام تلقيني، ولابد من وجود وسائل إعلام أكثر تطور وديمقراطية تعطي المجال للتعددية لطرح كل الآراء، باعتبار أن هذه المرحلة تشهد إعادة بناء المجتمع).