تعود فكرة الفصل المادي لتحصين المدن الإسرائيلية ،وحصار المدن الفلسطينية إلى فكرة "الغيتو" ،التي سادت في الأوساط اليهودية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
كما أن أول اقتراح بهذا الخصوص يعود لوزير المالية الإسرائيلي "بنحاس سفير "عام 1967،كما أعلن أيهود براك مرشح حزب العمل لانتخابات رئاسة الحكومة الإسرائيلية لعام 2000م انه سيعمل على تطبيق سياسة العزل الديموغرافي عن الفلسطينيين،ولو بصورة أحادية.
وإضافة إلى ذلك فقد طرح "آفي ديختر"رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي الفكرة بشكل جدي في شباط 2002م،وها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي "شارون" الحالي يبدأ عمليا تطبيق هذه الفكرة ،ويبدأ ببناء الجدار العنصري على الأرض الفلسطينية.
إن فكرة إقامة جدار الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية تعود إلى عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق رابين حين قال " اخرجوا غزة من تل أبيب" ، وتصريح آخر قال فيه " إننا نعمل بجد ونشاط من اجل الانفصال عن الشعب الآخر الذي نسيطر عليه، وإننا سنصل إلى هذه الغاية إن عاجلا أم آجلا.
إن أول بداية لإقامة جدار الفصل العنصري في منطقة قلقيلية كانت عام 1996م من خلال قرار مصادرة لأكثر من 100 دونم في الجهة الغربية للمدينة من اجل إقامة طريق امني على طول الخط الأخضر وتمت حمايتها في حينه بأعمدة معدنية على طوله، ونص القرار على انه في عام 2001م سيتم إعادة الأرض لأصحابها،وفي بداية العام 2002 م تم إقرار شق طريق امني شمال المدينة وبنفس الوقت شرق المدينة ، وبدل إعادة الأرض تم إقامة سور إسمنتي في العام 2002م، بتاريخ ( 11/6/02م ).
حاييم رامون وبنيامين بن اليعازر – وصفا السياج " خطة سلام " وكان هذا شعارهم سنة 1992م في الانتخابات العامة في حينه " نحن هنا وهم هناك.
خطط الفصل الإسرائيلية
إن أصول هذا الجدار الإسرائيلي فوق الأرض الفلسطينية تعود إلى ما بعد حرب 1967،حين تم إعداد اقتراح برسم حدود قابلة للدفاع عنها من طرف واحد،والخروج من بقية المناطق التي تم احتلالها،واقتراح " بن غوريون" بعد تقاعده ،إعادة كل المناطق باستثناء القدس إلى عام1994، عندما وضع وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي "موشيه شاحل" خطة الفصل متزامنا مع إعلان إسحاق رابين – رئيس الوزراء الراحل- عن رغبته في فك الارتباط مع الفلسطينيين بقوله : "اخرجوا غزة من تل أبيب".
كان هناك العديد من خطط الفصل الإسرائيلية،كان أولها تصريح رئيسة الحكومة الإسرائيلية "غولدا مائير" في أعقاب انتهاء حرب حزيران ال1967،والذي سعت من خلاله إلى ترك الفلسطينيين يعيشون حياتهم في الضفة وغزة،ولكن وزير دفاعها "موشيه ديان" في حينه عارضها بذلك ودعا إلى ضرورة دمج الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي من خلال فتح مكاتب عمل وتشغيل للعمال الفلسطينيين في مدنهم لإلهائهم عن الواقع السياسي الذي يعيشونه والمتمثل بالاحتلال لهم،وتركهم العمل العسكري ضد الاحتلال.
ومن هذه الخطط أيضا خطة رابين التي كانت مقترحة أواخر شهر كانون ثاني 1995،والهادفة إلى العودة لحدود ال1967 دون الانسحاب من القدس أو غور الأردن،حيث كان للقدس مقترحان لإنشاء حزام امني يفصل بين السكان الفلسطينيين والإسرائيليين، على أن لا يتم إقامة جدار امني على طول الحزام إلا في ثلاثة مقاطع وذلك لأسباب سياسية فقط..
أما خطة براك التي أتت بأعقاب اندلاع انتفاضة الأقصى حين صرح "نحن هنا وهم هناك"،وفي حينه تم تكليف وزير دفاعه "افرايم سنيه"لإعداد ورقة عمل للفصل،وتم الاقتراح على إنشاء (6 – 7 )معابر تحت إشراف سلطة خاصة لمرور البضائع والمركبات والمشاة إضافة لإقامة مشاريع مشتركة على جانبي الحدود مع فصل شبكة البنية التحتية خصوصا الماء والكهرباء.
ما خطط الفصل في عهد شارون فهي امتداد لخطته المسماة "خطة النجوم"،وسعيه الحالي لإقامة منطقة عازلة تمتد على طول الخط الأخضر مع الضفة الغربية،حيث تعتبر منطقة عسكرية مغلقة،يمنع فيها تحرك الفلسطيني ليلا،من منطقة لأخرى إلا من خلال حصوله على تصاريح خاصة للتحرك نهارا،وتم الإيعاز للمجلس الأمني المصغر لإقرار إقامة خطة خاصة لعزل القدس سميت في حينه "خطة غلاف القدس"،
حيث تقضي الخطة إلى إقامة حزامين أمنيين:
الأول: حول ما يسمى بالقدس الكبرى،يمتد من مستوطنة جيلو جنوبا حتى مستوطنة معاليه أدوميم بالجنوب الشرقي ثم إلى مستوطنات جبعات زئيف وسيشتمل الكثير من القنوات والخنادق ومناطق المراقبة والمواقع العسكرية.
الثاني :حزام داخل مدينة القدس يحول بين الأحياء العربية واليهودية،ويتكون المخطط من إقامة ثلاث مناطق جغرافية ونوعين من العوائق والمناطق الجغرافية هي :غلاف القدس
تاريخ الجدران في العالم – تدمير حتمي
1-سور الصين العظيم : من اشهر الجدران في العالم المعروف ب"سور الصين العظيم"الذي امتد 10 آلاف كلم وبدأ بناؤه في القرن الثالث قبل الميلاد على يد إمبراطور الصين الأول" كين شين هوا نندي"بهدف حماية الأراضي التي يسيطر عليها. لكن السور لم يمنع المغول من غزو الصين،فقامت أسرة منغ التي حكمت الصين بين عامي 1368 و1644 بتدعيم وتقوية جدرانه،إلا أن الغزاة تجاوزوا السور عبر الإنفاق من مناطق بعيدة ودخلوا العاصمة بكين سنة 1550م.
2-سور روما : في أيام الإمبراطور اوغست (14-63 قبل الميلاد )،امتدت سلطة روما داخل أوروبا.وكي تحمي حدودها أقامت خطوطا دفاعية على شكل أسوار وسلمتها لأمراء محليين للدفاع عن الإمبراطورية،وكانت بطول 800كلم. وعندما احتل الإمبراطور أدريان الأراضي البريطانية أقام سورا مماثلا بطول 145كلم لحماية ممتلكاته من هجمات الاسكتلنديين والايرلنديين،إلا أن جيوش البرابرة التي اجتاحت أراضي الإمبراطورية دمرت الأسوار والمواقع الدفاعية وأنهت الأسطورة.
3-جدار كمبوديا: قرر حكام كمبوديا تعزيز حدودهم مع تايلاند فأقاموا جدارا بطول 800كلم بهدف منع هجمات الخمير الحمر،إلا أن الهجمات استمرت.
4-جدار استراليا: هدفه حماية المزارع من الكلاب المفترسة (الدنغو) وهو عبارة عن سياج بارتفاع مترين.
5-جدار برلين: بدأ بناؤه عام 1961 لوقف هروب الألمان الشرقيين إلى الغرب،إلا أن 39 ألف شخص اجتازوه رغم الحراسة المشددة قبل أن يزال عام 1989،اثر انهيار المعسكر الاشتراكي وقتل نحو 250 شخصا أثناء عمليات الهروب،وكان يطلق عليه اسم الستار الحديدي.
6-بيغ وول" Big Wall ": الجدار الكبير أو مشروع "بيغ وول" والمقرر أن يمتد منم المحيط الهادئ حتى المحيط الأطلسي على طول الحدود المكسيكية الأمريكية لوقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين،طوله المقرر 3200كلم لكنه لن ينجز قريبا بسبب ارتفاع التكاليف المادية.
جذور فكرة الجدار
تعود فكرة الجدار عند رئيس الحكومة الإسرائيلية "اريئيل شارون" إلى العام 1973،وهو فعلا ثبت خططه على حائط مكتبه العام1976 لمشروع الجدار،وكان يكرر انه سيكون مثل "سور الصين العظيم"،وقد انتعشت فكرته هذه عام 1994م.
ومن القادة الإسرائيليين الذين وضعوا مخططات الفصل التالية أسمائهم :
1- إن أول اقتراح تم وضعه على طريق الفصل يعود إلى وزير المالية الإسرائيلي "بنحاس سفير 1967.
2- مشروع قدمه "موشيه شاحل" وزير الشرطة من خلال خطة الفصل،وحماية المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
3- خطة حاييم رامون.
4- خطة عوزي لانداو، وهي اشهر خطة وتشمل إقامة "جدار" يتواجد الجيش على جانبية مع الإجازة للجيش بحق دخول المناطق الفلسطينية جميعها بحرية تامة.
5- أيهود براك مرشح حزب العمل لرئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 2000 كان قد أعلن انه سيعمل على تطبيق سياسة العزل الديموغرافي عن الفلسطينيين ولو بصورة أحادية.
6- آفي ديختر رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي طرح الفكرة بشكل جدي في شباط /2002.
وخطة شارون للفصل تقوم على قاعدتين وثلاث مراحل :
1- القاعدة الأولى :إنشاء حزامين أمنيين طوليين.
2- القاعدة الثانية : إنشاء الجدار بعمق يتراوح ما بين 5 – 10كلم،وقد انتهت مرحلته الأولى والبالغة 170كلم،وبدأت في حزيران 2002 بموجب قرار عسكري حمل الرقم 1/1س،ويتضمن إقامة 5 أحزمة أمنية عرضية بين الحزامين الطوليين،والنتيجة تحويل الضفة الغربية إلى 4 كتل معازل،تسيطر إسرائيل على محيطها وتترك للفلسطينيين إدارة شؤونهم الداخلية،وهي كتلة (جنين نابلس،كتلة رام الله، كتلة بيت لحم،وكتلة الخليل).
أما للمراحل التي مر بها بناء الجدار فيأتي ذكرها في غير هذا الموقع.
أما بالنسبة للموقف الفلسطيني والذي يجب أن يكون ردا على هذه الخطط فتمثل في :
إن مسئولي السلطة بما فيهم رئيس الحكومة لا يتحفظون على بناء الجدار إذا ما تم الالتزام بإقامته على ما يسمى بالخط الأخضر.
ومن هذا الموقف أتى الموقف الأوروبي الذي ابد في حينه إقامة إسرائيل لجدار الفصل العنصري،إذا أعيد إلى مسار الخط الأخضر لأنه جدار امني والهدف منه منع العمليات العسكرية الفلسطينية ضد الإسرائيليين.
الفلسفة الإسرائيلية
تمتاز الفلسفة الإسرائيلية من خلال إقامتها لجدار الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية على العقيدة التلمودية التي تدعوهم إلى التميز عن الشعوب الأخرى وبضرورة انفرادهم وانعزالهم بعنصرهم اليهودي عن الآخرين وعدم الاختلاط بالشعوب الأخرى إلا بالقدر الذي يسمح ببقائهم مميزين عن الجوييم.
ويكشف عن هذا البعد والتوجه وان كان متغلفا بالغلاف الأمني ،بنيامين نتنياهو – رئيس الحكومة الأسبق ووزير المالية الحالي- في كتابه "مكان بين الأمم "، حيث قال ناقلا مقولة موشيه ديان وزير الدفاع الأسبق " إن حربنا تقوم على الحيلولة دون تدمير الهيكل الثالث"، ويصف نتنياهو ضرورة توفير مسافة عازلة بين حدودها والقوات المعادية لها لكي تتخذ القوات الإسرائيلية الإحتياطات المناسبة لوقف التقدم المعادي إليها.
ويقول : إن قوة إسرائيل على الردع تعتمد على ثلاثة عناصر رئيسة هي:
1- قوتها العسكرية مقابل القوة العسكرية العربية.
2- المدة الزمنية اللازمة للإنذار المبكر المتوفرة لديها لتمكينها من تجنيد قوات الاحتياط لديها.
3- الحد الأدنى من المسافة المطلوبة للجيش الإسرائيلي كي يستطيع الانتشار فيها لمواجهة أي خطر محتمل.
ويعلل بان المدة الزمنية للإنذار المبكر تعتبر شرطا ضروريا لبقاء إسرائيل، حيث إن إسرائيل بحاجة ماسة إلى وقت مناسب وكاف لتعبئة جنود الاحتياط الذين يشكلون القوة الرئيسة في الجيش، وهذه التعبئة تتطلب استدعاء مواطنين من بيوتهم في جميع أنحاء الدولة ، وتجميعهم في وحداتهم ، وتزويدهم بالأسلحة والمعدات العسكرية الأخرى وتوجيههم ومن ثم نقلهم لخطوط الجبهة، وتتراوح هذه المدة بين ( 48-72 ساعة) على الأقل.
والمهمة الرئيسة تكون على عاتق الجيش النظامي المرابط على خطوط الجبهة الأمامية وفي حال فشله بصد الهجوم فان الحرب ستصل بسرعة إلى المستوطنات والمدن الكبرى في إسرائيل، والمجال الجوي أيضا صغير حيث خلال (5-10 دقائق) تصل الطائرة المقاتلة من سوريا أو العراق إلى التجمعات السكانية في إسرائيل، ومدة الإقلاع لطائرة عسكرية هي فقط (3 دقائق).
ويعلل أهمية وجود محطات الإنذار المبكر على قمم جبال نابلس وهضبة الجولان والتي يمكنها مراقبة تحركات الجيش السوري وأي جيش عربي آخر يتحرك على أراضي الأردن، وان السيطرة على هذه المرتفعات من قبل العرب سيمكنهم من مراقبة ما يجري على السهل الساحلي والجليل ، وسيجعل إسرائيل عمياء والى فقدانها جزء كبير من قدرتها على تحقيق الإنذار المبكر.
إن احد أهم الثروات المتوفرة لدى الجيش الإسرائيلي خلال الساعات ال72 الأولى والحاسمة في الحرب هي المجال الأرضي فالجيش الإسرائيلي بحاجة ماسة إلى مساحة جغرافية تمكنه من الاستعداد على صعيدي الطاقة البشرية والسلاح، بعد اندلاع الحرب، ولهذا فان الجيش الإسرائيلي المضطر حاليا لضغط نفسه داخل الحدود الحالية لإسرائيل لن يستطيع الانتشار بفعالية فيما لو حرم من مناطق الانتشار المتوفرة في الضفة الغربية، وكنتيجة حتمية سيجد نفسه مضطرا للانتشار في شوارع القدس ومداخل تل أبيب والأسوأ من هذا هو أن كل مناطق التجمع والانتشار للجيش ستكون ضمن مدى قذائف مدفعية العدو التي تستطيع إطلاقها من جبال الضفة الغربية إلى أي موقع في إسرائيل، الأمر الذي سيؤدي إلى تشويش خطير في شبكة التجنيد بأسرها.
إن سور الضفة الغربية- الحاجز الطبيعي- الذي يحمي السهل الساحلي من أي هجوم، لا يحمي بصورة مباشرة سكان إسرائيل الذين يعيشون على الساحل فحسب، إنما يمنح الجيش الإسرائيلي الوقت المطلوب لنقل قوات الاحتياط إلى الجبهة.
إن الشيء الأهم الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار لدى الحديث عن منطقة عازلة عسكرية هو:
مسافة تمنح الوقت ، فالمسافة التي سيضطر العدو لقطعها، قبل أن يتغلغل داخل المناطق الإسرائيلية المأهولة بالسكان ويلحق بها خسائر فادحة تساوي من حيث القيمة والأهمية، الوقت اللازم لتجنيد قوات الاحتياط الإسرائيلية، وكلما اتسعت المنطقة العازلة ازدادت احتمالات نجاح الجيش الإسرائيلي في وقف تقدم العدو، من خلال الهجمات البرية والجوية، والحصول على وقت ثمين لتعبئة الاحتياط، والمسافة التي توفر إمكانية استخدام تكتيك الإعاقة تسمى " العمق الاستراتيجي".
وان مناطق الضفة الغربية تمنح إسرائيل شيئا من العمق الاستراتيجي، وارتفاعا استراتيجيا أيضا، والطبوغرافية الجبلية لجبال الضفة الغربية، تتلاءم جيدا مع عمليات الإعاقة المطلوبة للدفاع عن إسرائيل خاصة في المنطقة الشرقية التي ستضطر القوات المعادية إلى تسلق المرتفعات مثلا حول منطقة الأغوار التي تنخفض (300 متر ) عن سطح البحر، وهذه المنطقة يصعب تسلقها من قبل الآليات ومهما تطورت الأجهزة الالكترونية "الرادارات" فإنها لن تستطيع أن تحل محل جدار جبلي يزيد ارتفاعه على ألف متر كحاجز أمام قوة مهاجمة.
إن المسافة العائق في سيناء هي (200كم) بين قناة السويس ونتسانا، في حين أن المسافة بين جبال الضفة الغربية والبحر المتوسط لا تزيد على (15كم ) وان اجتيازها من قبل قوات معادية سيكون خلال بضع ساعات ، وان أي هزيمة عسكرية بإسرائيل ستكون هي الأخيرة وان تحريك خط الحدود الإسرائيلي بضعة كيلو مترات هزيلة سيكون له الأثر السيئ على مستقبل إسرائيل، وان عرض إسرائيل يتراوح بين( 50كم- 65كم) من نهر الأردن إلى البحر المتوسط.
وفي 29/حزيران/67م أي بعد 18 يوما من انتهاء حرب الأيام الستة، وبناء على تقرير عسكري قدمته هيئة الأركان الأمريكية ومرفقا بالخرائط أيدت الحكومة الأمريكية حق إسرائيل في الاحتفاظ بأربعة أخماس أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة ، وبهضبة الجولان كاملة.
ويوضح وجهة نظره بضرورة توفير العازل والعمق الاستراتيجي من خلال :
" إن إحدى الطرق لتجسيد هذا الواقع هي أن يقلع المرء بطائرة من مطار دوف بتل أبيب لمسافة بضعة كيلو مترات نحو الشرق تجاه خطوط عام 1967م، حيث خلال دقائق معدودة ستحلق هذه الطائرة فوق بيوت كفار سابا، وتدور فوق حقل صغير لتصل إلى قلقيلية التي كانت في السابق خارج الخط الأخضر" .
قبل حرب ال67م كانت هناك بضعة كيلو مترات تفصل بين كفار سابا وقلقيلية لكن المدينتين اتسعتا منذ ذلك الوقت، وأصبح الحقل الضيق الذي يفصل اليوم بين آخر بيت من كفار سابا وأول بيت من قلقيلية في الواقع، هو العمق الاستراتيجي، الذي يجب أن تكتفي إسرائيل به، لكن فيما وراء قلقيلية يقع سور من الجبال، إذ تبدو سلسلة جبال السامرة من الجو كأبراج ترتفع فوق السهل الساحلي، وان حرب الصواريخ التي لا تمنعها الحواجز لا تحتل أرضا، إنما تلحق الأذى والدمار فقط، ولا تكون في حرب الصواريخ للأرض أهمية كبيرة، ولكن لدى الحديث عن هجوم بري فانه يكون للأرض أهمية كبرى والتي يمكن أن تغير كل شيء.
ويستدرك نتنياهو في كتابه، رفضه لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة لسببين هما:
1- لا يمكن تجريد المنطقة من أسلحة صغيرة لكنها فتاكة جدا، إذ لن تستطيع إسرائيل منع تهريب صواريخ قصيرة المدى، وقطع أسلحة أخرى لا يزيد حجمها عن حجم الحقيبة، إلا إذا كانت موجودة فعليا في الضفة الغربية، ورغم التفتيش والحواجز العسكرية لكل متحرك في الضفة الغربية وغزة وسيطرتها على المعابر فإنها لا تستطيع منع تهريب مثل هذه الأسلحة.
2- لا يمكن الاعتماد على نزع السلاح لأسباب سياسية، فكل منطقة تخليها إسرائيل ستحتلها منظمة التحرير الفلسطينية، بغض النظر عن الصيغة التي تستخدم لإخفاء هذه الحقيقة ( مثل اتحاد كونفدرالي مع الأردن)إن الذين يتحدثون عن نزع سلاح الضفة الغربية وغزة إنما يتحدثون في الواقع عن تجريد دولة ذات سيادة كاملة من السلاح، الأمر الذي لم يسمع بمثله في تاريخ الأمم، ولسبب بسيط هو :انه لا يمكن تطبيقه وإدامته.
من غير الواضح كيف ستقدر إسرائيل على إحباط مثل هذا التطور وهي داخل حدود ال1967م، إذا انسحبت من الضفة الغربية، فستكون بحاجة لجيش نظامي أضعاف الجيش الإسرائيلي الحالي، خاصة وان الحدود المتعرجة بين إسرائيل والضفة الغربية هي أطول بحوالي 4 أضعاف الحدود مع الأردن، وتحتاج لتكاليف كبيرة ترهق الاقتصاد الإسرائيلي، وتؤثر على الطاقة البشرية الحيوية، ومن المؤكد انه لن تتوفر للجيش الإسرائيلي مساحة من الأرض بين إسرائيل والدولة الفلسطينية لتمكينه من الانتشار فيها للاستعداد للمعركة.
إن دولة فلسطينية، مثلها مثل اليد الممدودة لخنق شريان الحياة لإسرائيل الممتد على طول ساحل البحر من حيفا وحتى اشكلون، لذا ،فليس من الغريب أن تجد معظم الإسرائيليين يرفضون هذه الفكرة ويرون فيها خطرا مميتا للدولة.
إن أي تحرك لقوات فلسطينية من شانها تشكيل خطر شديد على سلامة دولة إسرائيل خاصة عندما يقوم رتل مدرعات عربي باجتياز نهر الأردن ويصل إلى مرتفعات قلقيلية على مسافة 20 دقيقة من تل أبيب.
إن قوة الردع النووية المنسوبة لإسرائيل ستتضرر بصورة خطيرة، لان أي إنسان لن يشن حربا نووية بسبب خرق اتفاق نزع السلاح، لذا فان أية عملية عدائية ضد إسرائيل، تتطلب ردا دقيقا، وكل غلطة مهما كانت بسيطة قد تنطوي على كارثة، لان أية عملية اجتياز حدود في قطاع بعرض 16كم فقط قد تنتهي بدمار ساحل إسرائيل، وان فكرة وضع جدار نووي على طول حدود إسرائيل بحيث يكون هذا الجدار فقط ضمانا لأمنها، هو ثمرة نقص في التفكير وانعدام المسؤولية، حيث إن هذا الإجراء سيؤدي لتعريض إسرائيل والعالم بأسره لكارثة، خاصة وان آثار هذا السلاح لا تعترف بالخط الأخضر فتنحصر شرقه.
ولكن بالمقابل يوجد في إسرائيل إجماع قومي واسع" ولو انه غير مطلق" على ضرورة احتفاظ الجيش الإسرائيلي بالسيطرة العسكرية على الجدار الواقي والمتمثل بجبال الضفة الغربية وهضبة الجولان.وان من يريد السيطرة على منطقة جبلية مثل الضفة الغربية، والتي تتكون فيها المواقع الاستراتيجية ومراكز التجمعات السكانية قريبة من بعضها البعض إلى هذه الدرجة، يجب أن يحتفظ بسيطرة عسكرية وسياسية في آن واحد، وان من يتخلى عن السيطرة السياسية لا بد أن يتخلى في نهاية الأمر عن السيطرة العسكرية أيضا
مجال البنية التحتية :
لقد استفادت إسرائيل من الامتداد الجغرافي للضفة الغربية ببناء شبكة واسعة من الخطوط المختلفة الاستخدام على أراضي الضفة الغربية،وهذه الخطوط بعضها يصل المستوطنات،مجاري،خطوط الهاتف،أنابيب مياه،وبعضها يصل المدن الإسرائيلية بالمياه من الضفة الغربية.وتعتبر هذه البنية التحتية واحدة من الاهتمامات الحيوية التي تسعى إسرائيل للإبقاء عليها تحت سيطرتها الدائمة،خاصة وإنها شرايين الحياة الأساسية للمستوطنات ولبعض المدن الإسرائيلية داخل إسرائيل.وقد قامت إسرائيل بمصادرة مساحة واسعة من أراضي الضفة الغربية لتمديد هذه الشبكة وهي تمتد بأشكال مختلفة،ولا تخلو منطقة في فلسطين شمال الوطن وجنوبه من هذه الشبكة،وهي اكبر وأكثر تنظيما من شبكات البنية التحتية التي تخدم المدن والقرى الفلسطينية،وقد تداخلت بشكل أو بآخر خاصة في مجال المجاري والمياه مع الشبكات التي تخدم القرى الفلسطينية،ولكن بمستويات تجعل الأفضلية للمستوطنات وللمدن الإسرائيلية