ألقى المؤرخ د. هينينغ زيفرت الأستاذ المساعد بمعهد الدراسات الشرقية في جامعة زيوريخ بسويسرا محاضرة بعنوان "العلاقات بين الولايات العربية والباب العالي للدولة العثمانية في القرن الثامن عشر ميلادي ـ الثاني عشر هجري"، والتي جاءت ضمن البرنامج الثقافي الذي ينظمه مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية بطرابلس مساء كل أربعاء من كل أسبوع.
وقدم د. محمود الديك رئيس قسم الرواية الشفهية بالمركز للمحاضر فذكر أنه درس العلوم الإسلامية وتاريخ العصور الوسطى والتاريخ الحديث وتاريخ أوربا الشرقية خلال الفترة من 1994 إلى 2001، ومتحصل على درجة الدكتوراه من جامعة بوخم بألمانيا، ويجيد اللغة العربية إلى جانب اللغات التركية والفارسية والإنجليزية والفرنسية والسويسرية والإيطالية.
ومن مؤلفاته كتاب "تداول الحكام في الدولة المملوكة: دراسة تاريخية تحليلية لمؤلفات أبي حامد القدسي وابن تغري بردي" وكتاب "ما بين الأقاليم العربية والباب العالي: راغب محمد باشا وعلاقاته الثقافية والسياسية".
كما نُشر للمحاضر في مجال اختصاصه مجموعة من المقالات أبرزها "الصراع على السلطة في الدولة المملوكية في القرن الخامس عشر ميلادي" و"اشتياق البلد الساحل للوابل، رئيس الكُتّاب الحاج مصطفى أفندي (1749) واتصالاته في الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية" و"أغا دار السعادة مورالي بشير أغا الخصي ووصفه لأحمد رسمي أفندي".
وتمحورت محاضرة الدكتور زيفرت حول ما أسماه "المنطقة الثالثة" من مناطق الحكم العثماني في القرن الثامن عشر ميلادي، والتي تشمل الولايات الخارجية التي ليس لها علاقة مباشرة باسطنبول كولاية طرابلس الغرب.
وذكر أنه في هذه الولايات يختلف الأمر عما يحدث بالولايات الداخلية، حيث يتم في ولايات المنطقة الثالثة كالجزائر وتونس وليبيا والحجاز لجوء السكان إلى الحكام المحليين في رفع شكواهم بيد انه ليس بإمكانهم تقديمها مباشرة إلى الباب العالي.
أما الطبقة الحاكمة ـ كما يقول المحاضر ـ فقد رسخّت جذورها في المنطقة على شكل وراثي كنموذج حكم الأسرة القره مانلية في طرابلس الغرب أو الأسرة الحاكمة في القاهرة حيث تتمتع بنفوذ واسع كما تثبت الوثائق التاريخية، وبخلاف ذلك فإن الحجاز يشكل مركزاً هاماً لدى الباب العالي بحكم مركزيتهُ في العالم الإسلامي.
ويقول المحاضر: "لا ينبغي أن نحكم على أنواع الحكم والتبعية من خلال المؤسسات الرسمية فقط، وإنما يجب علينا أن نبحث في العلاقات في الشخصيات الهامة بين الولايات الداخلية والخارجية".
وقد قسّم الدكتور زيفرت في محاضرته مصادر تلك العلاقات إلى مجموعتين، الأولى المركزية وهم موجودون في مناطق وولايات مختلفة ويتطلعون باستمرار لعاصمة الدولة، والثانية المجموعة المحلية وهي المستقرة في موضع ما ويوطدون نفوذهم هناك.
وأشار إلى أن تلك العلاقات في تلك الحقبة لعبت دوراً هاماً بين هاتين المجموعتين مع الدولة العثمانية من خلال المصالح الاقتصادية وضمان الدعم السياسي والروابط الثقافية.
وقال: "إن المصالح الاقتصادية كانت بمثابة شراء أسهم في الدولة العثمانية لضمان موارد ضخمة للدولة، بحيث تكمن مصالحهم في دوام السلطة لكسب وتعزيز مراكز كبيرة في الدولة".
وفيما يتعلق بضمان الدعم السياسي، قال المحاضر: "عند اندلاع الخلافات السياسية فكل من الفريقين يلجأ لوجود حليفاً، خاصة انتهاء شخصية هامة في اسطنبول، فمثلاً بوفاة الحاج بشير الأغرب فقدت عدة مجموعات حاميها مما أسفر عنها انقلاب في السلطة بمصر، وعندما يتنافس مجموعة مرشحين من ذوي النفوذ الكبير تكون الغلبة في النهاية للشخصية المدعومة من اسطنبول مثلما حصل في الصراع على الولاية في بغداد عام 1762".
أما العلاقات الثقافية فكانت تمثل شكلاً أساسياً في تبني الدولة العثمانية لأنماط العلاقات وشملت كل أنحاء الدولة وكافة الشخصيات الثقافية.
يقول المحاضر: "كانت الأفضلية لدى الباب العالي للشخصيات التي يجتمع فيها الدين والولاء والإتقان، وممن يتحدثون العربية والفارسية والتركية بطلاقة، ومن العارفين بفنونها وآدابها".
كما أضاف "أنه برغم أن اللغة العربية لها المكانة الثانية في الولايات العربية ولكن لها مركز مهم بسبب أنها لغة الإسلام لأنها تعني العلم والأدب والتصوف".
ثم أشار إلى أن "علماء عرب كثيرون تقلدوا مناصب عالية جداً بسبب مكانتهم العلمية أمثال محمد الزبيدي وحسين البصري وإبراهيم الحلبي".
كما أكد على أن "الحج أيضاً قد شكّل محوراً للعلاقات بين الدولة العثمانية والعلماء، وقد ترك مصطفى أفندي مجموعة من الرسائل التي وثّقت لتلك العلاقات مع العرب العلماء، فكانت القاهرة ومكة والمدينة ودمشق إلى جانب اسطنبول مركز تلاقي للعلماء".
وختم المحاضر بالقول: "إن العلاقات لعبت دوراً جوهرياً في استمرارية الدولة العثمانية، وأن أمتن الروابط على الإطلاق هي الروابط الاقتصادية والسياسية والثقافية".
كما دعا الدكتور زيفرت إلى أنه "بحكم أن الوثائق تفيد بتراجع الروابط الاقتصادية في القرن الثامن عشر ميلادي مما أعلى شأن الروابط الثقافية، ولذلك من المجدي دراسة جانب الروابط الثقافية لتلك الحقبة بشكل أكثر دقة".
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنه لأهمية اللغة التركية (العثمانية) ودورها في فهم التاريخ وترجمة وثائق العلاقات العربية والدولة التركية، فإن السفارة التركية في طرابلس قد فتحت مؤخراً مدرسة مجانية لتعليم اللغة التركية، مما يفسح المجال أمام المؤرخين والمهتمين لتقديم دراسات مجدية ودقيقة في موروث العلاقات العربية التركية.